أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

486

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

بهذه الأسباب إلى الموت أو إلى حالة قريبة منه فلم تفد تذكيتها عنده شيئا . والتذكية : الذّبح ، وذكت النار : ارتفعت ، وذكى الرجل : أسنّ ، قال : 1701 - على أعراقه تجري المذاكي * وليس على تقلّبه وجهده « 1 » قوله : وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ رفع أيضا عطفا على « الْمَيْتَةُ » . واختلفوا في النصب فقيل : هي حجارة كانوا يذبحون عليها ف « عَلَى » هنا واضحة ، وقيل : هي للأصنام لأنها تنصب لتعبد ، فعلى هذا في « عَلَى » وجهان : أحدهما : أنها بمعنى اللام أي : وما ذبح لأجل الأصنام . والثاني : هي على بابها ، ولكنها في محلّ نصب على الحال أي : وما ذبح مسمّى على الأصنام ، كذا ذكره أبو البقاء وفيه النظر المعروف وهو كونه قدّر المتعلق شيئا خاصا . والجمهور على « النُّصُبِ » بضمتين فقيل : هو جمع « نصاب » . وقيل : هو مفرد ، ويدل له قول الأعشى : 1702 - وذا النّصب المنصوب لا تقربنّه * ولا تعبد الشّيطان واللّه فاعبدا « 2 » وفيه احتمال . وقرأ طلحة بن مصرف بضمّ النون وإسكان الصاد وهي تخفيف القراءة الأولى . وقرأ عيسى بن عمر : « النصب » بفتحتين ، قال أبو البقاء « وهو اسم بمعنى المنصوب كالقبض والنقص بمعنى المقبوض والمنقوص ، والحسن : « النّصب » بفتح النون وسكون الصاد ، وهو مصدر واقع موقع المفعول به ، ولا يجوز أن تكون تخفيفا لقراءة عيسى بن عمر لأنّ الفتحة لا تخفّف . قوله : وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ « أَنْ » وما في حيزها في محلّ رفع عطفا على « الْمَيْتَةُ » . والأزلام : القداح ، واحدها « زلم » و « زلم » بفتح الزاي وضمها . والقداح : سهام كانت العرب تطلب بها معرفة ما قسم لها من خير وشر ، مكتوب على أحدها : « أمرني ربي » وعلى الآخر : « نهاني ربي » ، والآخر غفل . وقيل : هي سهام الميسر أي : القمار ، ووجه ذكرها مع هذه المطاعم أنها كانت ترفع عند البيت معها . قوله : ذلِكُمْ فِسْقٌ مبتدأ وخبر ، واسم الإشارة راجع إلى الاستقسام بالأزلام خاصة ، وهو مروي عن ابن عباس . وقيل : إلى جميع ما تقدّم ، لأنّ معناه : حرّم عليكم تناول الميتة وكذا ، فرجع اسم الإشارة إلى هذا المقدّر . قوله : الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا « الْيَوْمَ » ظرف منصوب ب « يَئِسَ » ، والألف واللام فيه للعهد ، قيل : أراد به يوم عرفة ، وهو يوم الجمعة عام حجة الوداع ، نزلت هذه الآية فيه بعد العصر . وقيل : هو يوم دخوله عليه السّلام مكة سنة تسع ، وقيل : ثمان . وقال الزجاج - تبعه الزمخشري - : إنها ليست للعهد ، ولم يرد باليوم معينا ، وإنما أراد به الزمان الحاضر وما يدانيه من الأزمنة الماضية والآتية . كقولك : « كنت بالأمس شابا وأنت اليوم أشيب » لا تريد بالأمس الذي قبل يومك ، ولا باليوم الزمن الحاضر فقط ، ونحوه : « الآن » في قول الشاعر :

--> ( 1 ) انظر البيت في البحر ( 3 / 410 ) . ( 2 ) البيت من قصيدة قالها حين عزم على الإسلام : فعند ومات على كفره . انظر ديوانه ( 137 ) ، الكتاب ( 3 / 510 ) ، الإنصاف ( 2 / 657 ) ، ابن الشجري ( 1 / 384 ) ، - - التصريح ( 2 / 208 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 9 / 39 ) ، المغني ( 2 / 372 ) ، الأشموني ( 3 / 226 ) ، الهمع ( 2 / 78 ) ، شواهد المغني ( 268 ) ، الدرر ( 2 / 95 ) .